محمد جواد مغنية
94
في ظلال نهج البلاغة
أهل الخراج ، ثم الكتّاب أو الوزراء . والحديث الآن عن الفئة السادسة ، وهم التجار وأهل الصناعة . . . وكل علاقة بين الفرد والفرد ، أو بين الفرد والجماعة ، أو بين الجماعة والجماعة - فإنها لا تخلو من أحد فرضين : إما روحية لا صلة لها بالاقتصاد ، كحب المؤمن لأخيه المؤمن لمحض الإيمان ، وحب الصديق صديقه لمجرد الصداقة ، وحب الأم لوليدها ، وإما اقتصادية كعلاقة التاجر بالمنتج والمستهلك ، وعلاقة كل الناس بهؤلاء الثلاثة ، لأن الحياة لا تستقيم إلا بالزراعة والصناعة والتجارة ، ولذا قال الفقهاء : هي فرض كفاية على الجميع . والأوصاف التي نعت بها الإمام أهل التجارة والصناعة - تدل دلالة قاطعة على أن أكثرهم كانوا من الكادحين لا يبتغون إلا سد الحاجة والعيش بأمان ، ومن أجل هذا كانوا يعرفون الدين والشريعة ، والخير والشر ، والعدل والظلم تماما كالمستضعفين . . . وأيضا كانوا يشاركون بأموالهم وأنفسهم في الدفاع عن الدين والوطن ، ربما بذلك أحدهم معظم ما يملك في هذا السبيل ، كما حدثنا التاريخ . وليس هذا ببعيد عن طبيعة الحياة والأوضاع في ذاك العهد حيث لا آلة إلا المغازل والأنوال اليدوية ، وإلى هذا أشار الإمام بقوله : ( والمترفق ببدنه ) أي العامل بعضلاته لا بالضغط على الأزرار . . . أيضا لم يكن آنذاك شركات تجارية احتكارية يملك أسهمها أصحاب الملايين ، ويسيطرون على السياسة وأقوات العباد ، بل كان التاجر يعرض سلعته في حانوته على المستهلكين ، وإليه أشار الإمام بقوله : ( المقيم منهم ) أو ينتقل بها من بلد إلى بلد ، وإليه الإشارة بالمضطرب بماله . وبكلام آخر ان الهوة لم تتسع بين فئات المجتمع - كما هي الحال الآن - إلا بعد أن تقدمت الصناعة وطغت على مظاهر الحياة ، وتحكَّم بها وبالمصانع أصحاب الشركات الاحتكارية ، وأخضعوا الانتاج وكل مجهود لأهوائهم ومكاسبهم ، وحوّلوا معظمه إلى أسلحة الخراب والدمار ، وفرضوا العجز والفقر على الشعوب المستضعفة ، واحتكروا أقواتها ومقدراتها ، وحاربوا كل ثقافة واعية ، وخنقوا كل صوت للأحرار والحرية في شرق الأرض وغربها . وفي الأسبوع الأول من كانون الثاني يناير سنة 1973 نشرت الصحف تقريرا ل « ارنست ماير » مدير معهد الصحافة الدولي جاء فيه : « إن 26 دولة في العالم فقط من بين 132 دولة أعضاء في الأمم المتحدة تتمتع بحرية الصحافة ، لأن